أخبار اللغة العربية

اللغة العربية: معركة الهوية في زمن الهيمنة الرقمية

في زوايا التاريخ المتوارية، يتكشّف لنا أن المستعمر ما جاء على صهوة جواده طامعاً في الأرض فحسب، بل جاء واضعاً نصب عينيه غايةً أعمق: أن يُسلِخ الشعوب عن لغاتها، وأن يقطع الشرايين التي توصلها بهويتها. لم يكن الدين آنذاك هدفاً مباشراً، بل كانت اللغة هي المعركة، إذ هي لسان الحضارة، ومخزن الفكر، وجواز السفر إلى المجد الإنساني.

ليس من العجب إذن، أن يأتي تقرير “توماس ماكولي” في الهند سنة 1835 ليقترح إيقاف التعليم باللغات المحلية، ويستبدله بالإنجليزية، ساعيًا لصناعة جيل “هنديّ الهيئة، إنجليزيّ العقل”. ولا عجب أن تتبع مصر المسار نفسه بعد الاحتلال البريطاني سنة 1882، ليكون التعليم بالإنجليزية بدءًا من عام 1898، حتى أتت حكومة سعد زغلول عام 1922 فوضعت حدًّا لذلك، وأعادت التعريب إلى مراحل التعليم الأساسية.

✍️ اللغة: ميدان معركة لا أداة تواصل فحسب

أشدُّ ما يُدهشنا في هذا السياق، أن الكيان الصهيوني، وهو في طور التأسيس، انتبه إلى هذه الحقيقة، فشرع في إحياء اللغة العبرية منذ عام 1881، أي قبل قيام “دولته” بسبعين عاماً، لأن الهوية لا تُقام إلا على لسانها الأم.

نعم، تموت اللغات. هناك “داروينية لغوية”، تبقى اللغة الأقوى وتموت الأخرى. لغة “البو” في جزر أندامان، انقرضت تماماً عام 2010 برحيل آخر المتحدثين بها. فهل يمكن أن تلقى العربية المصير ذاته؟ ليست ميتة، ولكنها محاطة بالخطر.

ما تزال الفصحى تُفهم في خطب الجمعة، وتُدرّس في المدارس، وتحيا في كتاب الله، لكن الخطر في غيابها عن الحوارات اليومية، وفي تهميشها ضمن الفضاء الرقمي، وكسل المجتمعات عن بعثها حيّة في الحياة العامة.

📉 العربية في الفضاء الرقمي: حضور شاحب رغم الجماهيرية

رغم أن عدد الناطقين بالعربية يفوق 475 مليوناً، فإن حصتها من المحتوى الإلكتروني لا تتعدى 3%، وفقاً لتقارير الاتحاد الدولي للاتصالات. المحتوى العربي متواضع، يفتقر في كثير منه إلى الجودة، وكأن الحرف العربي يخطّه قلمٌ مرتجف، وصوتٌ خافت.

زد على ذلك غياب المؤسسات الفاعلة، واعتماد المحتوى العربي على مبادرات فردية مبعثرة، تفتقر للتمويل والرؤية، بينما تُنفق الأموال على إنتاجات لا تمثّل الواقع ولا تبني وعياً، بل تُسهم في تغريب الأجيال.

🌱 لكن… ثمّة أمل

رغم الظلال الملبدة، تلوح لنا فرص واعدة. فالمجتمعات اليوم تبحث عن محتوى يمثّلها، لا ما يُشكّل أبناءها على صورة الآخر. الذكاء الاصطناعي سهّل النشر والتحرير، وفتح الأبواب أمام صُنّاع المحتوى الشباب ليرفعوا راية لغتهم دون عائق تقني أو مالي.

وسائل التواصل باتت ساحات المعارك الفكرية والثقافية، ومن خلالها يمكننا أن نعيد للغتنا هيبتها، ونُبقيها في صلب التفاعل والوجدان.

💡 مبادرات تُشعل الضوء

من بين الجهود المشكورة، برزت مبادرة “بالعربي” التي أطلقتها مؤسسة قطر، محاولةً لاستعادة المكانة الرقمية للعربية، وتقديمها للشباب بروحٍ حديثة، مُلهِمة. لقد فهموا أن اللغة ليست أداة، بل هي نسيج الهوية، وحامل الرسالة، وبوابة الوعي.

🛡 لا تحيا اللغة بمعجزة… بل بالرجال

قد يقول قائل: أليست العربية محفوظة بحفظ القرآن؟ بلى، ولكن الله حين قال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}، لم يدعُنا للركون، بل دعا للعمل، فكما أن الأمان في الحرم يتحقق بفعل الناس، كذلك حفظ اللغة يكون بجهد أبنائها.

فإن سكت الجميع، وقالوا “الله يتكفّل”، فإن العربية ستنحسر كما انحسر الإسلام من الأندلس والهند. وإن تهاون حَمَلة الرسالة، فسيُنسى القرآن في واقع الحياة، وتُمزق الهوية بحجة الحداثة.

فلنكن نحن “قَدَر الله” في حفظ لسانه ودينه

ما أحوجنا اليوم إلى الالتفاف حول كل مبادرة تسعى لإحياء لغتنا، وأن نغرس فيها أيدينا وعقولنا وقلوبنا. فالحرف الذي يُسقى بماءِ الإيمان والانتماء، لا يذبل، بل يُثمر ويُضيء.

لنجعل الكلمة لنا، والمحتوى من صُنع أيدينا، والهوية لا تُخطف من بين أضلعنا. العربية لا تموت إن نحن أحْييناها، وإن كنا جديرين بأن نكون حُرّاسها في هذا الزمان.

مقالات ذات صلة