“ترجمة”: مشروع نهضوي يُعيد للغة العربية مكانتها في عصر الذكاء الاصطناعي

في زمنٍ تتسابق فيه القوى التقنية الكبرى، وتهيمن فيه الشركات الأميركية والصينية على مفاصل الذكاء الاصطناعي، خرجت من قلب المشرق العربي بارقة أمل، تحمل اسمًا لا يُخفى معناه: “ترجمة”. إنها ليست مجرد شركة تقنية، بل مشروع حضاري يُحاول أن يُعيد للعربية كلمتها، وأن يصوغ علاقتها بالتكنولوجيا بأحرف من فخر واعتزاز.
من فكرة إلى رسالة… انطلاقة “ترجمة” من عمّان
حين أسست نور الحسن شركتها في عمّان عام 2008، لم تكن تسعى لمزاحمة عمالقة السوق، بل أرادت أن تسد فجوةً ناطقة بالصمت: غياب الحضور العربي في مشهد الذكاء الاصطناعي. وكانت الرؤية واضحة كالشمس في كبد السماء: صناعة أدوات معرفية عربية، لا استهلاك أدوات غريبة عن البيئة واللسان.
ومع انتقال “ترجمة” إلى دولة الإمارات، لم يتغير الخط، بل اتّسع الأفق. فالشركة لم تكتفِ بتقديم خدمات المحتوى، بل بنت أدواتها من الصفر، وأطلقت نموذجها اللغوي “برونويا” الذي تجاوز أداء GPT-4 في اختبار اللغة العربية بنسبة تفوق 76%، ليتحوّل إلى قاعدة معرفية تُغذّي منصة “Arabic.AI”، من أوائل منصات الذكاء الاصطناعي الوكيلة (Agentic AI) في العالم العربي.
تمويل جديد… ورؤية تمتد
وفي مايو 2025، أعلنت “ترجمة” حصولها على تمويل بقيمة 15 مليون دولار، بقيادة “غلوبال فنتشرز” ومشاركة صناديق استثمار عالمية من ضمنها “ومضة”. والهدف؟ توسيع النشاط، وتأسيس بنية تحتية سيادية للذكاء الاصطناعي العربي، وإطلاق أكاديمية AI لتدريب القيادات على أدوات الذكاء باللغة الأم.
“البرونويا” ليست مجرد خوارزمية… بل مشروع ثقافي
في حديثها للجزيرة نت على هامش منتدى قطر الاقتصادي 2025، تحدثت نور الحسن بلغة الواثق العارف، مؤكدة أن “ترجمة” ليست مجرّد شركة بل رؤية حضارية، تهدف إلى تحرير اللغة العربية من سطوة المحتوى الرديء والخوارزميات الغربية. فالنموذج اللغوي “برونويا”، وفقًا لها، صُمم ليخدم بيئة العرب ولهجاتهم وتراكيبهم، لا ليترجمها أو يعيد إنتاجها بلغات أخرى.
الإنسان والآلة… علاقة تكامل لا صراع
في عصر تشتد فيه نغمة “الآلة تحلّ محل الإنسان”، ترى “ترجمة” أن الأمر ليس كذلك، بل إن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى يد بشرية توجهه، وعين بشرية تدقّق معانيه. وتضرب نور مثلاً بالطيران: رغم وجود أنظمة قيادة ذاتية، لا تزال الحاجة قائمة إلى الطيار. هكذا الذكاء الاصطناعي: أداة، لا بديل.
مؤسساتنا… والخوف من التغيير
تقرّ نور بأن التردد في تبني الذكاء الاصطناعي لا يزال أحد أكبر التحديات في المنطقة، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات. لكنها في الوقت نفسه تؤمن أن من لا يدخل السباق اليوم، سيُقصى منه غدًا. “ترجمة” لا تبيع منتجًا، بل تبني شراكة معرفية، وتُقدم حلولًا مصممة لفهم البيئة العربية من الداخل.
أكاديمية AI… الإنسان أولًا
ولأن التقنية وحدها لا تكفي، أطلقت “ترجمة” أكاديمية AI، لتأهيل الكوادر العربية على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الترجمة، المحتوى، وتحليل البيانات. فالتحدي الحقيقي ليس نقص الأدوات، بل نقص المهارة في استخدامها بذكاء وفهم.
المترجم العربي… وظيفة جديدة تُولد
لم يعد المترجم العربي مجرّد ناقل للنصوص، بل أصبح اليوم مطالبًا بإتقان أدوات جديدة: هندسة الأوامر، إدارة المهام الآلية، واستخدام الذكاء الاصطناعي بوعي وتخصص. وهذا التغيير لا يعني نهاية المهنة، بل ولادة تعريف جديد لها، يتسق مع العصر، ويحفظ للغة العربية دورها في صناعة المعرفة.
الختام: حين تصبح الترجمة مشروعًا للهوية
ترى نور الحسن أن الذكاء الاصطناعي ليس مشروعًا تقنيًا فحسب، بل لغويًا وثقافيًا بامتياز. ومن خلال “ترجمة”، تحاول أن تُعيد تعريف العلاقة بين اللغة والتكنولوجيا، وتُرسّخ للمعرفة منبعًا عربيًا لا تابعًا.
تجربة “ترجمة” تثبت أن السباق في الذكاء الاصطناعي لا يُقاس بحجم النماذج، بل بمدى اقترابها من الإنسان الذي تخدمه، ولغته التي تُعبّر عنه.



