أخبار اللغة العربية

تعريب الطب في جامعة الأزهر: بين غايات النهوض وشكوك التراجع

في مفترق طرق حضاريّ وعلميّ، يتجدّد الجدل داخل أروقة جامعة الأزهر، حيث قرّر مجلسها دراسة تعريب المقررات العلمية في قسم الطب النفسي، وهو القرار الذي عُدّ عند البعض خطوة أولى نحو تعميم التعريب في سائر كليات الطب، فيما رآه آخرون تراجعاً قد يحدُّ من قدرة الطلاب على مواكبة التقدّم الطبي العالمي.

🧠 الطب بين اللسان العربي واللغة العالمية

منذ أن قامت أولى مدارس الطب في مصر بأبي زعبل عام 1827، كان التدريس باللغة العربية فخراً ومقاماً، حتى غيّرت آلة الاستعمار وجه العلم، فانتقل الطب إلى القصر العيني، وحُوّل تدريسه إلى الإنجليزية في عام 1887، تماهياً مع الوجود البريطاني.

اليوم، تعود هذه المسألة إلى الصدارة مع قرار التعريب، وسط أصوات مؤيدة تطالب بإعادة العلوم إلى حاضنتها اللغوية الأصيلة، وأخرى معارضة ترى في الخطوة قيداً قد يُكبّل أجيالاً عن الانخراط في ميدان البحث والتطور العلمي العالمي.

أصوات ترفض.. وعقبات تُرصد

كان من أبرز الرافضين للقرار عميد كلية الطب في جامعة الأزهر، الدكتور حسن أبو الغيط، الذي أبدى استغرابه من عدم مشاورته قبل اتخاذ القرار، مشدداً على صعوبة الترجمة الدقيقة للمصطلحات الطبية ذات الجذور اللاتينية، وعلى أن لغة المؤتمرات والبحوث لا تزال الإنجليزية، متسائلاً: كيف لطبيب أن يطوّر علمه بلغة لا تُنتج بها المراجع؟

🌍 تجارب عربية وعالمية.. لكن المقارنة ظالمة؟

رغم تجارب سابقة في دول عربية كتجربة سوريا والعراق والسودان، فإن هذه المبادرات لم تُفضِ إلى النجاح المنشود بحسب المعارضين، الذين استشهدوا أيضاً بفشل هذه التجارب في إنتاج مراجع عربية مواكبة.

في المقابل، تسطع تجارب أمم عظيمة كالسويد وألمانيا واليابان التي درّست الطب بلغاتها وبلغت شأناً مرموقاً، إلا أن الفارق، كما يقول الرافضون، أن تلك الدول تُنتج علماً ولا تستهلكه فقط.

📚 تجربة الأزهر في الطب النفسي: بين الطموح والتحديات

يروي الدكتور محمد المهدي من قسم الطب النفسي بجامعة الأزهر تجربة تدريس الطب بالعربية داخل القسم، موضحاً أن العوائق كانت كثيرة، من أبرزها صعوبة توفير مراجع عربية حديثة، وضعف تأثير الرسائل المكتوبة بالعربية على مستوى التصنيف العالمي.

حتى إن الطلاب أنفسهم، كما أشار، نظروا نظرة دونية إلى هذه الرسائل، معتبرين أن اللغة العربية تليق بالعلوم النظرية لا التطبيقية.

⚖️ موقف وسط.. وتوازن بين اللغتين

دعوات متزنة ظهرت في خضم هذا الجدل، مثل دعوة الطبيب أحمد عمار، الذي رأى ضرورة الجمع بين العربية والإنجليزية، تدريجياً، حتى لا ينقطع الخريج عن التطورات، وفي الوقت ذاته يتم ترسيخ مكانة اللغة العربية في الحقول العلمية.

🎓 رأي الطلاب: بين الانتماء والقلق

في حديثهم للجزيرة نت، عبّر عدد من الطلاب عن قلقهم من أن يؤدي تعريب الطب إلى عزلة أكاديمية. الطالبة ميرفت عقل ترى أن الإنجليزية تُعدّ نافذة للتقدّم، في حين أيّد محمد عبد الهادي أهمية العربية لكنه دعا للإبقاء على الإنجليزية لضمان الاستمرارية الأكاديمية والدولية.

✍️ بين الطموح والواقع: هل ينجح التعريب؟

إن فكرة تعريب الطب، وإن كانت نبيلة في مقصدها، إلا أنها لا بد أن تتكئ على رافعة علمية قوية، وجهود ترجمة جبّارة، وإرادة مؤسسية تمتد عبر الأجيال. فاللغة وعاء العلم، لكن الوعاء لا يغني عن المضمون.

هل هو قفزة للأمام أم ارتدادٌ للوراء؟ يبقى الجواب مرهوناً بالإرادة السياسية والعلمية، وقدرة الأمة على أن تُنتج علماً يستحق أن يُدوَّن بلغتها.

مقالات ذات صلة