أخبار اللغة العربية

اللغة العربية بين نبل الفصحى وحقيقة العاميات: ما لم يُقال في حكاية اللسان العربي

في زوايا اللسان العربي، حيثُ تختلطُ قداسة البيان بعفوية الحديث، تجلسُ اللغة الفصحى متربعةً على عرشٍ لا يُنازعها فيه أحد، وإن كانت غرباء في ديار الكلام اليومي. فما من عربي، كما تقرر الدراسات المحكمة، تكلّم بها حديث معيشة منذ بدء التاريخ، ولا غدا صوتها من أصوات السقيا في البيوت أو الأسواق، بل ظلت، على مدى القرون، لغةَ منبرٍ ومحرابٍ ومجلدٍ.

ولئن اجتهد أئمة اللغة من أهل البصرة والكوفة في تدوين مفرداتها، واستنباط قواعدها، فإنهم ما جمعوا إلا لغة مشتركة بين القبائل، منقحةً من شوائب اللهجات، مصفاةً من لهو التداول الشعبي، فكانت أقرب إلى “اللغة المثالية” منها إلى اللسان المحكي.

بين رفعة البيان وهمس الواقع

فهل كان العربي في صلاته وزوجه وبيعه وشرائه يتكلم تلك اللغة العالية؟ الجواب عند أهل الدراية: لا. لقد كان القرآن يُتلى، والشعر يُلقى، والخطب تُرتجل بالفصحى، بينما تظل الألسن بين الأهل والأحباب مائلةً إلى المحكية، من لهجة إلى لهجة، ومن قطر إلى قطر.

ويبدو هذا التباين أشدّ ما يكون وضوحًا في المسلسلات التاريخية، التي تُنتج اليوم بالمئات، فيزعم صانعوها أن العرب في أزمنتهم الغابرة كانوا يتكلمون بلغة واحدة، هي تلك التي نسمعها في الحوار بين الممثلين. لكن ما نسمعه، وإن فُصّح، لا يمتُّ إلى الواقع التاريخي بصلة، إذ لا أحد يعلم يقينًا كيف كان اللسان في بلاد الشام أو وادي النيل أو أرض المغرب في تلك القرون.

الرواية والتخييل اللغوي

ولعل الروائي العربي هو أشد الناس شعورًا بهذا التوتر، إذ يجد نفسه أمام معضلة كبرى: أيلجأ إلى الفصحى التي تُثقل الحوار؟ أم العامية التي تُهدّد وحدة الفهم بين القرّاء؟ فإن اختار الفصحى، وجدها تكبّل شخصياته، وتجعل الحوار مصطنعًا جافًّا، وإن لجأ إلى العامية، واجه اختلافاتها التي قد تصدّ القارئ في قطرٍ عن قراءة ما كُتب في قطر آخر.

لكن الإشكال لا يقف هنا، بل يتعدّاه إلى رؤية أيديولوجية تلاشت بعض الشيء، كانت يومًا سببًا في صراع لغوي محتدم بين أنصار الفصحى ودعاة العامية، بين محافظين يرون في الفصحى حمى العقيدة والهوية، ومجددين يرون في العامية حياة الناس وأصواتهم الحقيقية.

بين جمال الفصحى وتنوع العاميات

ما زالت الفصحى تُكتب ولا تُقال، والعامية تُقال ولا تُكتب، وبينهما مسافة لم تُجسر بعد. ولئن كانت الفصحى قادرة على حفظ التراث والارتقاء بالأسلوب، فإن العامية، رغم تشتتها، تملك حرارة الحياة وصدق التعبير. لكن العاميات العربية ليست لغةً موحدة، بل طيف واسع من اللهجات، يصعب حمله إلى صفحات الرواية دون أن يضلّ القارئ الطريق.

الختام: أزمة تعبير أم فرصة بيان؟

تظلّ أزمة الحوار في الأدب والدراما، ليست أزمة لغة فحسب، بل أزمة وعي فني وجمالي، تستدعي اجتهادًا لا يقلّ عن اجتهاد الأوائل في جمع المعاجم وصياغة القواعد. ولعل من بديع المقاصد أن تتحول هذه الثنائية من معضلة إلى مصدر إبداع، ومن انقسام إلى تنوع غني، يضيف إلى العربية لا ينتقص منها.

مقالات ذات صلة