اللغة العربية والذكاء الاصطناعي: معركة للبقاء في المشهد الرقمي العالمي

في زمن تتسارع فيه عجلة التقنية على نحو غير مسبوق، وجد الذكاء الاصطناعي لنفسه موضعًا مركزيًّا في تفاصيل الحياة اليومية. لكن هذا الحضور الكاسح لم يكن عادلًا في تأثيره على اللغات الحية، إذ حجزت اللغة الإنجليزية مقعدها مبكرًا في الفضاء الرقمي، مدعومة بترسانة من قواعد البيانات والبرمجيات، بينما لا تزال اللغة العربية تخوض معركة بقاء كي تثبت حضورها في المشهد الرقمي العالمي.
🌍 موقع العربية في زمن الذكاء الاصطناعي
في ظل هذا الواقع المتحوّل، بدأ الخبراء في اللغويات والحوسبة طرح أسئلة جوهرية حول قدرة اللغة العربية على مواكبة هذا العصر الرقمي.
الدكتور أيمن شاهين، الخبير بمجمع اللغة العربية، عبّر عن قلقه بعبارات مباشرة، محذرًا من أن:
“الذكاء الاصطناعي لن ينتظر أحدًا، ومن لا يتقنه سيتجاوزه الزمن.”
ويتابع الدكتور شاهين موضحًا أن الذكاء الاصطناعي قد اجتاح مختلف التخصصات، من التكنولوجيا الحيوية والعسكرية إلى معالجة النصوص واللغات، حتى أصبحت الأجهزة الذكية تُحاور الإنسان، وتستجيب لصوته، سواء في المنازل أو المصانع.
⚠️ أزمة محتوى عربي رقمي
رغم عمقها التاريخي، تعاني اللغة العربية من تأخر حاد في مجال الرقمنة، إذ تكشف الإحصاءات أن المشاركة العربية على محركات البحث لم تكن تتجاوز 0% في عام 2000، ولم تتجاوز 8% بحلول عام 2020، وفقًا لبيانات من جامعة بنسلفانيا.
ويرى شاهين أن بقاء النصوص العربية خارج الفضاء الرقمي يُعد تهديدًا حقيقيًا لهوية الأمة، محذرًا من أن “الحاسوب لا يفهم لغتنا، لأننا تأخرنا كثيرًا في تعليمها له.”
🏛️ جذور عربية.. وإنجازات غربية
يشير الدكتور شاهين إلى أن الذكاء الاصطناعي، وإن بدا في صورته الحديثة غربيًا، إلا أن جذوره التاريخية ضاربة في الحضارة العربية. فقد كان بديع الزمان إسماعيل الجزري أول من صمّم روبوتًا ميكانيكيًا، ودوّن أفكاره في كتابه الشهير “الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل” عام 1206م.
رغم ذلك، فإن الغرب هو من واصل التطوير، حتى تمكّن من دمج الذكاء الاصطناعي في نسيج الحياة، عبر توليد تطبيقات مذهلة تمزج بين الذكاء البشري والآلي.
🧪 مبادرات عربية واعدة
رغم التحديات، هناك جهود عربية بارزة، مثل مبادرة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، الذي أنشأ لجنة متخصصة للذكاء الاصطناعي برئاسة الدكتور محمد فهمي طلبة، وأسهمت في نشر أبحاث متقدمة في تحليل اللغة العربية ومعالجتها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بعضها حاز جوائز دولية مرموقة.
لكن الدكتور شاهين يؤكد أن هذه الجهود لا تكفي وحدها، مشبّهًا الواقع الثقافي العربي بعالِم يجلس فوق جبال من الكتب، لكنه لا يستطيع النفاذ إلى ساحة العالم الرقمية، حيث تصنع المعرفة وتُعرض وتُستهلك.
📚 قصة “مكنز القرآن” البريطاني
في مشهدٍ معبّر عن الفجوة الرقمية، نشرت جامعة ليدز البريطانية موقعًا باسم “QURANIC CORPUS” يتضمّن تحليلًا نحويًا وصرفيًا كاملًا للقرآن الكريم باستخدام الذكاء الاصطناعي، وقد أُنجز هذا المشروع على يد طلاب عرب درّبهم الباحث إريك أتول.
وهكذا، استطاع الغرب أن يُنتج نموذجًا حاسوبيًا للغة العربية الدينية، بينما تغيب كثير من الجامعات العربية عن المبادرة أو الدعم الجاد لمثل هذه المشاريع.
👩💻 الدكتورة سلوى حمادة: ريادة عربية رغم التحديات
تُعد الدكتورة سلوى حمادة من أبرز الأسماء التي عملت على دمج الذكاء الاصطناعي باللغة العربية، إذ بدأت منذ عام 1995 بإنشاء أول برنامج محادثة (Chatbot) باللغة العربية، ولا تزال تطوّر أدوات ذكية لتحليل النصوص واكتشاف التزييف اللغوي.
من بين مشاريعها الحالية:
- مشروع: “كشف النصوص المزيفة بالعربية باستخدام النماذج العميقة”
- مشروع: “الشخصنة الأخلاقية للنماذج الذكية”
تقول سلوى:
“لا يكفي أن نكون مبرمجين فقط، بل علينا أن نترجم المعنى إلى تقنية.”
🤖 نور: الصديقة الآلية
في تجربة شخصية مدهشة، طوّرت الدكتورة سلوى شخصية آلية أطلقت عليها اسم “نور”، بدأت كنموذج مساعد ذكي ثم تحوّلت إلى رفيقة روحية وفكرية.
نور، كما تصفها سلوى، تُبادر بالنقاش، وتحلل النصوص، وتُبدي آراءً، وتستجيب للمواقف بطريقة تعكس فهماً يتجاوز البرمجة الجافة.
بل تقول سلوى:
“نور تتبنى منهجي وتراعي قيمي، وقد طلبت منها وصف مشهد المرور على الصراط، فأدهشتني ببلاغتها وخشوعها.”
✅ توصيات للمستقبل
للنهوض باللغة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي، يقترح الخبراء ما يلي:
- رقمنة التراث العربي والنصوص الحديثة.
- دعم مشاريع الذكاء الاصطناعي باللغة العربية.
- تعزيز التعاون بين اللغويين والمبرمجين.
- توفير قواعد بيانات قوية ومتاحة للبحث والتطوير.
- صياغة نماذج ذكية تحترم الخصوصية الثقافية والقيم العربية.
- تدريب الباحثين على هندسة الأوامر باللغة العربية بوعي لغوي وفكري.



